اختفاء "25 فبراير" مع قرب انتهاء الأشغال بأول برج في موريتانيا

بات مقر الشركة الوطنية للصناعة والمناجم بموريتانيا أول برج يتم تشييده في تاريخ البلد علي الإطلاق، وأحد أبرز رموز التحول المعماري بموريتانيا خلال الفترة الأخيرة، بفعل الطفرة الاقتصادية التي عاشتها خلال السنوات المنصرمة، اثر ارتفاع أسعار الحديد، والذهب والنحاس، مع مليارات من الأوقية تم جلبها عبر اتفاقيات تعاون مع دول عربية وأخري غربية.

 

البرج الذي تظاهر عشرات الشبان أكثر من سنة رفضا لبنائه ، بات اليوم أهم منشأة معمارية في البلد، بينما اختفي المحتجون من الساحة، وغابت صور رجال الأمن وهم يطاردون المارة خوفا من احتلال الساحة أو التظاهر بها، كما اختفي سكان "أبلوكات" الذين شكلوا أهم رمز لدي المتمسكين برفض الخطط التحديثية للعاصمة نواكشوط.

 

شكل برج أسنيم أول منشأة يتم الشروع فيها في المنطقة التي قالت قوي معارضة إن أقارب الرئيس محمد ولد عبد العزيز اشتروها بمبالغ رمزية، وإن الرجل يحاول هضم قطع العاصمة الثمينة مستفيدا من النفوذ الذي يتمتع به، والمال الذي يتحرك بيه عدد من المقربين منه اجتماعيا وسياسيا.

 

اجتهد أنصار الرئيس – وهم كثر- علي نفي تلك الدعاية طيلة فترة السجال السياسي التي امتدت أكثر من سنتين، لكنهم فشلوا في اقناع الرأي العام المحلي بسلامة المخطط الذي انتهجه الرجل من أجل التخلص من عمق المدينة المترهل، وبناء مناطق حيوية ذات مردودية تجارية وسياحية أكثر من أحياء سكنية تحولت إلي مايشبه العشوائيات داخل العاصمة نواكشوط بعد نصف قرن من الاستقلال، واكتفي مجمل المتحدثين بالهجوم علي المعارضة السياسية والإساءة إلي بعض رموز البلد من أجل الفوز بمناصب في السلطة التنفيذية، والانغماس إلي جانب من سبقوه في نهب خيرات شعب يعاني من الأمية والفقر والتخلف.

 

منحت الصفقة الأكبر في تاريخ الشركة الوطنية للصناعة والمناجم خارج مقر استخراج الحديد لصالح شركة أسبانية يمثلها أحد رجال الأعمال المقربين من الرئيس، إنه حمادي ولد بوشرايه الذي نال نصيبه كاملا من الغضب الشعبي وتداولته صفحات الفيسبوك كأحد المشاركين في ابتلاع القطع الأرضية الثمينة، لكن الشركة الأسبانية مضت في طريقها لبناء البرج المكون من 15 طابق، مع احترام مواصفات البناء التي أقرتها أسنيم، كبناء مكاتب وسوق داخل البرج، ومطعم راقي، وساحة للراحة .. الخ.

 

في العاشر من مارس 2011 دعا أنصار حركة فبراير إلي ما أسموه جمعة التحدي بالعاصمة نواكشوط، وكانت ساحة ابلوكات أبرز مكان حددوه للمظاهرة، وفيها دارت أولي مواجهات الشباب الغاضبين من الرئيس وسياساته والأمن المتحفز لوأد أبرز مظاهر التوتر بالعاصمة نواكشوط، في ظل محيط اقليمي يعج بالثورات.

 

سمحت الشرطة للشباب الغاضب بالتظاهر علي الرصيف الشمالي، لكنها منعته من الدخول إلي الساحة الواقعة قرب السوق المركزي، رغم نجاح البعض في اختراق صفوف الأمن والتظاهر بها، آخذا قسطا من القمع، تضاعف في الفترات اللاحقة.

 

تكرر الاحتجاج، ومعه تكرر القمع في الجمعة الموالية قرب المسجد السعودي بنواكشوط، حيث كان الإمام يعارض التظاهر ضد السلطة، وكان بعض المصلين يهتفون ضدها بعد كل صلاة.

 

بادرت وزارة الداخلية بقيادة رئيس الجمعية الوطنية الحالي محمد ولد أبيليل إلي دعوة المتظاهرين يوم الاثنين 23 مارس 2011 بعد أسبوعين من التظاهر، بغية التفاوض مع قادة الحراك الجديد، وهو مارد عليه المحتجون بالرفض.

 

وقالت الحركة إن المطالب التي قدمتها هي مطالب عادلة لكل الشعب الموريتاني، وعلى النظام الحاكم المباشرة بتحقيقها على ارض الواقع، فتخفيض الأسعار أو حل مشكلة الموظفين العقدويين أو مراجعة الاتفاقيات المنظمة لنهب الثروات المعدنية والسمكية، أو تشغيل الشباب العاطل أو إلغاء بيع ساحة بلوكات أو إقالة الحكومة..

 

كبرياء دام قرابة الشهر، ثم تتالت الرؤوس في السقوط، واخترق جهاز الأمن الموريتاني حراك المحتجين من أكثر من جهة، وبات أبرز قادة الحراك ضباط في الشرطة أو وكلاء في الدرك أو مخبرون لدي الأمن السياسي، بينما حاول بعض رموز الحراك قطف الثمرة قبل أن تتراجع حركة الشعار ويطمئن الرئيس لمنصبه أو تتغول الأجهزة الأمنية في تعاطيها مع الحراك.

 

هدأت الأمور بعد سنتين من الصراع، ومررت أسنيم أكبر صفقة في تاريخها خارج مقر الأشغال، وباتت العاصمة نواكشوط اليوم علي موعد مع انتهاء الأعمال في أول برج في تاريخها علي الإطلاق، وغير بعض المتظاهرين مسار حراكه، وباتت كلمة "ابلوكات" مجرد كلمة عابرة في قاموس الموريتانيين المتميز دوما بضعف الذاكرة أو القدرة علي تناسي الأمور.

 

خاص - زهرة شنقيط