بوادر تصفية قبلية ممنهجة بقطاع العدل (خاص)

يعيش قطاع العدالة بموريتانيا منذ أسابيع على وقع تأزيم داخلى هو الأسوء منذ فترة بفعل الروح الانتقامية لدى القائمين عليه من مجمل الفاعلين فى العدالة قبله، وسط مخاوف من جنوح الوزير الجديد لتصفية أبرز الكوادر داخل القطاع على أساس قبلي وجهوي محض.

 

وتقول مصادر زهرة شنقيط بقطاع العدل إن الأزمة القائمة بين أطراف الحكم فى البلاد ألقت بظلالها على القطاع الحيوي، وإن مجمل الأشخاص المحسوبين على الوزير الأول السابق مولاي ولد محمد لغظف باتوا أبرز مستهدف خلال الفترة الأخيرة، سواء تعلق الأمر بأقاربه المفترضين داخل العدالة أو بعض الأشخاص الذين احتلوا مراكز حيوية داخلها خلال فترة تسييره للحكومة.

 

كما أن الخصومة التقليدية بين الكتلة الأكبر داخل سلك المحاماة مع الوزيرين السابقين ساهمت فى تسريع وتيرة الصدام مع أغلب الدوائر الفاعلة فى سلك القضاء، مع اعتماد مبدأ الوشاية بكبار الفاعلين فيه، مما أطاح بثلاثة من رموز المؤسسة العدلية بنواكشوط، وأبعد آخرين لقطاعات أخرى لاعلاقة لها بالعدالة أو تسيير المحاكم.

 

وتشير المعلومات المتوفرة لدى زهرة شنقيط إلى سعى بعض المحيطين بوزير العدل الجديد ابراهيم ولد داداه إلى البحث عن خروقات قانونية أو مالية فى الفترة السابقة من أجل تقويض الثقة التى اكتسبها الوزير السابق للعدل سيدي ولد الزين، أو المكانة التى احتلها سلفه عابدين ولد الخير داخل العدالة، وتحويل ما أسماه المصدر "ثقة الرئيس المفرطة فى دوائر قبلية بذاتها إلى شك وريبة يخرج مجمل المنتمين إليها من حسابات التأثير والفاعلية داخل سلك القضاء مستقبلا".

 

ولعل أبرز الخارجين من سلك العدل بعد حملة مغرضة – حسب المصدر- كان المدعى العام لدى المحكمة العليا أحمد ولد الولى الذى أطيح به فى اجتماع ضم الوزير مع الرئيس، مع نشر شائعات فى وقت لاحق من طرف بعض المواقع الإخبارية حول أسباب عزله من شأنها تقويض مصداقيته لدى الرئيس العام، ولفت الأنظار عن البعد السياسى للقرار الذي بدأ تكريسه خلال الأسابيع الأخيرة بحملة مشابهة على أحد أبناء عمومته الفاعلين فى القطاع، بتحريض مباشر من دوائر عليا فى الوزارة، واتهام صريح له بالإخلال بالمسؤولية المكلف بها من أجل عزلها، وتصفيته فى أول اجتماع تعقده الحكومة، كما أسرت بذلك مصادر مقربة من ديوان الوزير.

 

وقد اشفع قرار اقالة ولد الولى بقرار مشابه هو عزل وكيل الجمهورية بنواكشوط الغربية الشيخ ولد باب أحمد الذى ظل ينظر إليه من طرف "كتلة المحامين المعارضة" بأنه أبرز تحد تواجهه داخل قطاع العدالة، كما صنف من قبل دوائر اجتماعية وجهوية بأنه أحد أركان العدالة فى عهد الرئيس الحالى، وقد ساهم توليه منصب الأمانة العامة لنقابة القضاة فى وضعه على رأس المستهدفين من معاونى الوزير السابق، ليتولى الوزير الحالى مهمة اقالته بعد أقل من أربعة أشهر من تجديد الثقة فيه وكيلا للجمهورية بنواكشوط الغربية بعد فترة من تسيير دوائر العاصمة كافة.

 

وتقول معطيات حديثة حصلت عليها زهرة شنقيط من وزارة المالية الموريتانية إن بعض مفتشيها تلقوا أوامر مستعجلة من الرئيس محمد ولد عبد العزيز بالقيام بتفتيش جديد لإدارة السجون الموريتانية بعد اضراب السجناء الأخير، وإن الوقائع التى تسببت فى الإضراب تم تحويرها من قبل القائمين على القطاع بغية التعجيل بقرار الإطاحة بأحد رؤوس المجموعة المصنفة حاليا بأنها امتداد لحكم مولاي ولد محمد لغظف، وانهاء آخر رموز مجموعته القبلية داخل سلك القضاء، بعد اعفاء أحدهم اثر حكمه أصدره واقالة آخر بتهمة واهية، واختيار الثالث المنفى الإختيارى عن العمل ضمن الدوائر الرسمية، بينما يتوقع أن يلتحق الرابع بهم خلال الأسابيع القليلة القادمة فى ظل معلومات أولية عن تحضير الوزير خليفة له على رأس إدارة السجون الموريتانية من حيزه الجغرافي الأقرب.

 

وقد كان لافتا خلال الفترة الأخيرة مركزة الأمور بيد أحد وكلاء الجمهورية لعلاقته المباشرة بوزير العدل، وتلميعه اعلاميا من خلال الزج به فى مؤتمرات صحفية حول قضايا لاعلاقة لها باختصاصه أو دائرته الترابية على الإطلاق، رغم وجود من هو أقدم وأسن وأكثر قربا من الملف المثار.

وقد تشاغل الوزير خلال الأسابيع القليلة الماضية بتمرير القوانين التى جهزها سلفه سيدى ولد الزين، والخاصة بالعبودية ومكافحة التمييز والتعذيب والرشوة، ووضع آلية لمكافحة التعذيب بموريتانيا.

 

بينما غابت المشاكل الحقيقة عن أولوياته، وبدت علاقته بالمحيطين به شبه معدومة.

 

ويعتبر الوزير ابراهيم ولد داداه أحد المحامين المميزين بموريتانيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لكن البعض تنتابه المخاوف من أن يسقط الرجل فى أيدى كتلة سياسية لها أجندتها الخاصة داخل قطاع العدالة، أو تحويل القطاع من جهاز يسعى إلى حل مشاكل الناس إلى قطاع منشغل بالخصومات الداخلية وتصفية الحسابات على أسس غير أخلاقية بين أبرز الفاعلين فيه.