إسكات البنادق في إفريقيا.. الدرس الموريتاني

خميس, 2026-10-08 10:16

 

 

كانت العاصمة نواكشوط على موعد قبل يومين مع برنامج تكويني رفيع المستوى، تحت عنوان "إسكات البنادق في إفريقيا"، وهو عنوان لمهمة تبدو بكل الاحتمالات مستحيلة، نظرا لتفاقم وتجذر بؤر الحروب والصراعات في إفريقيا، حيث يصُم ضجيج قعقعة السلاح الآذان، ودخان الحروب يغشى الناس في كل أصقاع القارة التي تنزف من تخومها، وتئن أرجاؤها تحت وطأة القتل والعنف الأعمى بكل أسبابه ودوافعه: الدينية والعرقية والقبلية والطائفية والإجرامية والسادية.

بيد أن بعض التجارب في القارة الإفريقية تنير بارقة أمل في غيهب النفق الداجي، وتشكل حالة استثناء من دوامة العنف الفتاك، إذا ما اقتُفيت تلك التجارب قَصصا واستوعب الآخرون درسها الجليل، ومن أقرب الأمثلة على ذلك ما حصل في التجربة الموريتانية، المتاخمة لحدود تضطرم حروبها ذات اليمين وذات الشمال، ويحرق جحيم أوارها الأخضر واليابس في أرجاء منطقة الساحل الإفريقي، ويعيش الناس فيها على وقع دوامة القتل والخطف والتفجير، وما الوضع في مالي والنيجر وبوركينافاسو ونيجيريا وتشاد منا ببعيد، حيث لا صوت يعلوا فوق صيحات العنف الهائج "الدمم الدم والهدم والهدم". 

قد يكون من نافلة القول إن موريتانيا لا تختلف جغرافيا ولا ديمغرافيا ولا جيوـ سياسيا، عن معظم دول القارة الإفريقية، ففيها تعدد عرقي ولغوي، وبها عشرات الكيانات القبلية والشرائحية، وخريطتها تمتد على مساحات شاسعة وتضاريس متباينة، يصعب تأمينها وبسط السيطرة عليها ، لكنها رغم ذلك استطاعت أن تزيح كابوس العنف خارج حدودها، وتحافظ على حالة التعايش السلمي داخلها، من خلال تجربة أثبتت أن فوهات البنادق ليست بالضرورة قدرا محتوما ولا كتابا مفروضا على بلدان القارة الإفريقية، بل أكدت هذه التجربة أنه حين توجد دولة قادرة على ضبط مقاربة ناضجة راشدة، تجمع بين قبضة الأمن القوية، وشجاعة الحوار والنقاش البناء، وتطبيع العلاقة بين الدولة ومواطنيها، فإن البنادق ساعتها قد تخرس وتسكت، وتصدأ الذخيرة في أغمادها وكنانتها، إذا ضبطت الحدود وأرسيت قواعد المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس جمهورية مهنية خالصة، لا تشوبها فئوية نشاز، أو جهوية مقيتة، أو عصبية ذميمة، واستطاعت أجهزة الدولة أن تكتسب ثقة المواطن أينما كان في أرجاء الوطن، إذ من البديهي أنه كلما زادت ثقة المواطن في الدولة، زادت فرصة اندحار التطرف وتلاشي خطاب الكراهية، واستقرت في أذهان الناس عقلية عدالة الدولة وخدمتها لهم ورفع المظالم عنهم، فتتحول رؤية المواطن للدولة من بعبع مخيف يمارس الحيف والتهميش والظلم، إلى دولة حانية عطوف تخدمه أينما كان وحيثما حل وارتحل، فيشعر أن أمنها هو أمنه وأمانه، وأن استقرارها هو طريقه السالكة إلى العافية والسلم، مع إشاعة خطاب ديني معتدل بين الناس، ينبذ التطرف كما ينبذ التمييع، ويبتغي بين تَيْنك السيئتين سبيلا لا إفراط فيه ولا تفريط، ساعتها تمتلك الدولة زمام القدرة على التحكم في الأزمات والحروب التي قد تفرض نفسها من خارج الحدود أو من داخلها، كالحرب على الإرهاب والصراعات العرقية والطائفية، وتحول دون تحولها إلى حرب مفتوحة لانهاية لها في الأفق المنظور، من خلال تعضيد القبضة الأمنية، بالمجابهة الناعمة لأسباب الغلو والتطرف، ودوافع خطاب الكراهية والبغضاء، ومعالجة أسباب ذلك، وتغيير البيئة المريضة التي ينمو ويعشعش فيها التطرف الديني والعرقي والفئوي، من فقر وتهميش وإملاق وتلاش للعدالة الاجتماعية، وتفاقم للبطالة، وسوء إدارة أجهزة الدولة، وضعف أداء المنظومة التعليمية. 

فضلا عن ضرورة تحلي الدولة بالشجاعة الفكرية، في مواجهة التطرف الفكري بالحجة الدامغة والدليل الناصع، لإقناع من حملوا البنادق ضد الدولة أو كانوا على وشك ذلك، بالعدول عن أفكارهم، والعودة إلى مجتمعهم أناسا صالحين، يخدمون وطنهم ودينهم ويدعون إليه بالتي هي أحسن، وقد حصدت موريتانيا ثمار ذلك أمنا وسلاما، ووسطية واعتدالا.

وهنا يمكن القول دون مواربة أو مبالغة، إن التجربة الموريتانية قد تكون ملهمة للقارة الإفريقية في إسكات البنادق، من خلال اعتمادها مقاربة تجمع بين الأمن والتنمية والفكر والدين والعدالة الاجتماعية، وترفض اختزال الأزمات في التدخل الخارجي، والغطرسة ألأمنية والعسكرية الخشنة.

فقد تم ضبط المؤسسة الأمنية والعسكرية وتسليحها ورفع جاهزيتها، وشرعت الدولة في تطوير وتجويد المنظومة التعليمية عبر اعتماد مشروع المدرسة الجمهورية، ورفعت العقيرة في وجه الهشاشة الاجتماعية، عبر إطلاق سلسلة من البرامج الاستعجالية والتدخلات الإنسانية، بواسطة "مندوبية تآزر" وغيرها، ووفرت التأمين الصحي المجاني لمئات آلاف الأشخاص المعوزين، ومنحت مئات الأسر الهشة رواتب منتظمة تعينها على نكبات الدهر وصولات الزمن، وعملت على توفير وتحسين خدمات الدولة الأمنية والتعليمية والصحية والاجتماعية في مختلف ولايات الوطن، بعيدا عن ظاهرة مركزية الخدمات، وإهمال الأطراف والضواحي والنواحي، التي ابتليت بها معظم البلدان الإفريقية، وقادتها الى التناحر والتنابز، فضلا عن التركيز على الشباب عبر سياسة التمكين والتشغيل، وهو ما مكن الدولة والمجتمع بكل فئاته وشرائحه، من احتواء التباينات البينية والخلافات المحلية، وكبح جماحها، ووأد دعواتها، قبل أن تتحول إلى نزاعات عنيفة أو فتنة تنبش في الأحقاد والضغائن.

وخلاصة القول إن التجربة الموريتانية أثبتت أن القارة الإفريقية تحتاج من أجل "إسكات البنادق"، إلى مقاربات أمنية ودفاعية رادعة، وإلى حوارات دينية وعرقية ومجتمعية وسياسية، تمكن سائر الأطراف والفرقاء من تجاوز خلافاتها البنية وتباين مصالحها، وبناء مجتمعات متماسكة تتخادم وتتكاتف لبناء وطن للكل ودولة للجميع، دون استثناء أو انتقاص أو تهميش، وتحيل تعدد الثقافات واللغات والأعراق، إلى عامل ثراء وتنمية وازدهار، بدل أن يظل عامل اضطراب وفتن كقطع الليل المظلم، لا تبقي ولا تذر.

 

محمد محمود أبو المعالي