المتنبي يهجو السيسي

محمد المختار الخليل/ مدير الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة

في أحد أيام أكتوبر/تشرين الأول الجميلة مطلع الثمانينيات، ونحن فتية ندلف إلى التعليم الإعدادي، غاب عنا مدرس الأحياء، فحضر محله مدير الإعدادية المربي الفاضل محمد الحافظ الخرشي.

دخل الرجل لينقل وعينا إلى عالم آخر، كتب بيتين من شعر أحمد بن الحسين المتنبي وطلب حفظهما، وقبل أن يخرج قال لنا: إن المتنبي هو شاعر الثورة قبل أن تولد الثورة، وشاعر القومية قبل أن تكون أحزاب القومية، وشاعر العزة والأنفة في زمن الذل والقهر.
لماذا نحب المتنبي؟ ولماذا بقي صداه حاضرا بعد ألف عام؟

قال ضياء الدين بن الأثير الكاتب "وكنت سافرت إلى مصر سنة ست وتسعين وخمسمائة، ورأيت الناس مكبين على شعر المتنبي دون غيره، فسألت جماعة من أدبائها عن سبب ذلك، وقلت: إن كان لأن أبا الطيب دخل مصر فقد دخلها قبله من هو مقدم عليه (..) فلم يذكروا لي شيئا، ثم إني فاوضت عبد الرحيم بن علي البيساني "القاضي الفاضل" في هذا فقال: إن المتنبي يتكلم عن خواطر الناس، ولقد صدق فيما قال".
من يراجع شعر المتنبي اليوم سيجده يتكلم على خواطرنا ويهجو حكامنا وأولهم عبد الفتاح السيسي.
ألم يقل:

أكلما اغتال عبد السوء سيده ... أو خانه فله في مصر تمهيد
صارَ الخَصِي إمام الآبِقين بها ... فالحرّ مُسْتعْبد وَالعبْد معبود
نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشِمْن وما تفنى العناقيد
 

وهل هناك وصف أبلغ من هذا لحال انقضاض السيسي على السلطة في مصر؟! إن الحقيقة التاريخية الماثلة -ودعنا لا نتجاوز تاريخ مصر الحديث والمعاصر- تثبت بما لا يدع مجالا للشك حقيقة بيت المتنبي:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها ... فقد بشمن وما تفنى العناقيد
 

فمحمد علي باشا العسكري الألباني استقل بحكم الدولة المصرية عن الخلافة العثمانية تغلبا عام 1805م، وتركها كلمة باقية في عقبه، حتى خرج عليهم العسكر في 1952، ليقوم نظام ناطور آخر لم تقطع تسلسله إلا سنة يتيمة من حكم الشعب، ما لبث الناطور أن أنهاها في ليلة لا فجر لها.

سيتصدى لك أحدهم ليقول إن الوصف بالخصي غير مناسب، وإن الآبقين من تعبير زمن مضى، والحقيقة التي لا يتمارى فيها اثنان هي أن السيسي خصي من كل مروءة، مجبوب من كل خير، فأين ما يدل على أنه رجل يستحضر المروءات ويبجل أهلها ويعيد إليها عنفوانها؟

 

وهل كل من حوله إلا عبيد خرجوا على سادتهم (وهم الشعب) ليستبدوا بالسلطة ويهينوا سادتهم؟

 

وهل هناك أصدق في الكلام عن خواطر الناس من وصف المتنبي للحال في إعلام مصر اليوم حين يقول:

وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا

وراجعوا المتاح على يوتيوب من برامج الإعلام التلفزيوني المصري لتكتشفوا حجم المضحكات المبكيات.

 

في رائعته الطنانة "عيد بأية حال عدت يا عيد"، يتوقف كثيرا عند حال المصريين أيام السيسي هذه:

إني نزلت بكذابين، ضيفهمُ عَن القرى وعن الترْحال محْدود

جود الرجالِ من الأيدي وجودهمُ من اللّسان، فلا كانوا ولا الجود

 

لقد وعد هذا النظام وأخلف، وعد بتحقيق الرخاء الاقتصادي فلم يتحقق غير رفع الدعم، وتهاوي قيمة الجنيه أمام العملات الصعبة، وارتهان الاقتصاد المصري للمساعدات، وسياسة التسول التي ابتكرها من قبل "صبح على مصر بجنيه" أو بيع الجنسية.

هذا النظام "كذاب" يمنع المصريين "القِرى" (الضيافة) في بلدهم، فكل كرمه من قبل الوعد المخلوف، كما يمنعهم من الترحال سعيا إلى الرزق وابتغاء للخير، وهو سلوك لم يسلم منه بعض مؤيدي النظام ممن يتفاجؤون بمنعهم من السفر بعد الوصول إلى المطار.

وباختصار فالسيسي وفقا للمتنبي لم يعط المصريين غير وعود اللسان الكاذبة.

المتنبي كان في أيام انحطاط سياسي للأمة لا يمكن تخيلها، فقد تجزأت شذر مذر واستقل كل عسكري متطلع، أو صاحب نِحلة متغلب على ناحية من النواحي، وساد الخدم في المراكز الكبرى للأمة كبغداد ومصر. وهذا حال الأمة اليوم، فقد ضاعت كل معاني الوحدة وتحكم في الناس عملاء جبناء خلوٌ من كل مروءة وأدب يعملون بأوامر الخارج ويتحكمون في مصائر الناس بقوة السلاح وسلاح الأمن والإرهاب الفكري.

كان شاعر موريتانيا محمد الحافظ بن أحمدو يتحدث مع شاعر كويتي عام 1979. ولأن صاحبنا معجب بالمتنبي حد الفتنة، ويعتبره متكلما عن خواطر الناس فقد تحداه الكويتي أن يأتي برأي المتنبي في أنور السادات واتفاق سلامه مع العدو الصهيوني، فرد عليه بديهة أن المتنبي قال:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن ... لما يشق على "السادات" فعال

فمن يتتبع لنا أهاجي المتنبي في حكام العرب اليوم؟