المأمورية الثالثة: من لم يرتدع بالكتاب فبالكتائب يردع

لا أحد من أحرار وخيري هذا البلد ــ وقليل ما هم ــ يرغب في المساس بما تم الحصول عليه من مكتسبات  ديمقراطيية نالتها البلاد في غفلة من التاريخ، وفي لحظة ليبرالية خاطفة، جعلت بلدا إفريقيا قصيا لا يصنف ضمن الديمقراطيات العريقة، بل إن تاريخه مع السلطة المركزية لما يبلغ بعد 60عاما. يتصدر عناوين الأخبار في كبريات القنوات والصحف العربية والدولية، ويرغب الكثير من النخب العربية في أن يحتذي العرب حذوه في التداول السلمي على  السلطة. نذكر في هذا المضمار على سبيل المثال لا الحصر مقال (درس موريتانيا الكبير للأستاذ الجامعي المصري حسن نافعة).

أشيد بنا  يومها في محافل دولية لا صلة لها بدواوين الشعر ومعاجم اللغة، وأمهات المتون، واستطعنا إقناع القارئ العربي بضرورة ابتلاع المفارقة: بلاد المنكب البرزخي السائبة إلى عهد قريب،الواقعة تحت لعنة الجغرافيا  ينشد المصريون والمغاربة وأهل الشام تجربتها في الديمقراطية !!!!

 غير أن ألقنا السياسي كان قدره "موت الفجأة والشباب" حيث  تم القضاء على التجربة الناشة في مسار لا يبعث استحضار حلقاته إلا على تجدد النكد الآخذ في التسلل إلى النفوس بعد اختتام جلسات "الحوا ر الوطني الشامل" والحديث عن نية الرئيس عرض مخرجاته الجوهرية على استفتاء شعبي،  والتي قيل إن من بينها ما يفهم منه تلميحا أو تصريحا المطالبة بتعديل المادة المتعلقة بالمأموريات ليتسنى للرئيس الترشح لمأمورية ثالثة.

وبما أن المتأمل للمشهد السياسي والمجتمعي العام سيخلص لا محالة إلى أن الرئيس واصل إلى مطلبه دون  كبير عناء، وأن من استطالوا بقاء هذا النظام حولين كاملين، وصبروا على ما لحق بهم في أيامه من اللأواء  والبلواء والجهد والضنك، عليهم انتظار خمس سنوات أخرى من حكم الرئيس حتى يتجدد الأمل في جلسات حوار تشرع لمأمورية رابعة قد تكون فرص النظام فيها أقل من مأمورية ثالثة أظل الناس زمانها وأصبحت مسألة وقت.

قد يحسب البعض أن هذا الطرح مجرد ثرثرة متشائمة لا يستحضر كاتبها المعطيات السياسية لاستشراف القادم من أحداث، قد يكون في المأخذ بعض الحقيقة، لكن الباعث على التشاؤم هو أننا أمام معارضة إن افترقت أصلحت وإن اجتمعت أَفسدت وأَفسدت {بضم الواو وفتحها}، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، معارضة منهكة بفعل الحزازات والخلافات البينة، تحتاج صفوفها الأمامية إلى حملات تطهير حتى يكون لخطابها المناهض للفساد، المناوئ للاستبداد مثقال ذرة من المصداقية في عيون ترى فساد النظام واستبداده ماثلا للعيان، لكن كراهتها لعلى لن تقذف بها في شراك المعجبين ب"معاوية".

قد تشفع الذاكرة السمكية لكثير منا في التخفيف من غلواء هذه المسألة، وقد لا تكون مساوية لعوائق بنيوية في خطاب المعارضة، من قبيل: التفنن في حرق المراحل و استنفاذ الوراقة الأخيرة في السجال الأول {خطاب الرحيل}، مما فرض على كتل المعارضة البقاء في دوامة من الشعارات والبيانات التي يعيرها النظام في بعض الأحيان دبر أذنه، ويتعامل معها بمنطق المقولة المنسوبة إلى معاوية ابن أبي سفيان"لن نمنعهم من الكلام، ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا"  لذلك لن يعتقل النظام أحدا على خلفية نقاش تلفزيوني ساخن، لكن في الوقت ذاته لن يخرج من بين أضراسه من تسول له نفسه الحليولة بينه وبين قصره، ستجيش جيوش من الفقهاء "المتمرسين" وشيوخ القبائل النافذين، ورجال الأعمال المبذرين، لتشريع مأمورية ثالثة إن كان الرئيس فعلا حريصا على المسألة، ومن لم يَرتدع بالكتاب فبالكتائب يردع.

 وحينها سترون أن للضرورة أحكاما وأن موريتانيا "لما تستجمع بعد شروط الحالة الثورية، وأن "الحزم أولى للسلامة".

الشيخ عبدي ولد الشيخ