
مع تصاعد الحرب في الخليج وتداعياتها المباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وفي سياق دولي لم يتعافَ بعد من آثار جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، تجد بلادنا نفسها أمام تحديات مركبة، تتقاطع مع هشاشة إقليمية، خاصة على الحدود، وضغوط مناخية متزايدة، من جفاف وتذبذب للموارد الطبيعية.
في هذا السياق، تتأكد أهمية المقاربة التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي جعلت من الاستشراف والحكمة أداة مركزية في إدارة الدولة، ومن التوقع المبكر وسيلة لحماية المجتمع وتحصين الاقتصاد. فالدولة التي تقرأ التحولات قبل وقوعها هي وحدها القادرة على تقليل كلفة الصدمات وتحويلها إلى فرص.
وقد جاءت الحرب الحالية في الخليج لتؤكد وجاهة هذا الخيار، باعتبارها أزمة ذات تأثير مباشر على أسعار الطاقة وتكاليف النقل وسلاسل التموين وتوفر المواد الأولية للزراعة والصناعة، وهو ما يجعل أي تأخر في الاستعداد مكلفًا. ومن هنا، فإن الإجراءات التي اتخذتها الدولة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت كاستجابة استباقية واعية، تستلهم بوضوح دروس الأزمات السابقة، حين أثبتت التجربة أن من ينتظر حتى وقوع الأزمة يدفع الثمن مضاعفًا.
وفي هذا السياق الدولي، يجدر التذكير بأن عددًا كبيرًا من الدول، سواء في الجوار الإقليمي أو في أوروبا وآسيا، سارعت منذ الأيام الأولى لهذه الحرب إلى اتخاذ إجراءات احترازية، شملت تأمين مخزوناتها، وضبط أسواقها، وترشيد استهلاكها. وهو ما يؤكد أن منطق الاستشراف أصبح نهجًا عالميًا في إدارة الأزمات، وأن موريتانيا كانت من أوائل دول المنطقة التي استوعبت مبكرًا هذا التحول، وتحركت بوعي ومسؤولية في نفس الاتجاه، بما يعكس حكمة فخامة رئيس الجمهورية ويقظة الدولة وقدرتها على قراءة السياق الدولي بدقة.
لقد تجسدت هذه الرؤية في جملة من الإجراءات التي تعكس عمقًا في التحليل ووضوحًا في الاتجاه:
1. التوجه بصفة مبكرة نحو إعداد ميزانية معدلة لسنة 2026، كأداة مرنة لإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر تأثرًا، والتخفيف من كلفة الصدمات، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والمواد الأساسية، وهو ما يعكس قدرة الدولة على التكيف السريع مع التحولات.
2. العمل على التحكم في التضخم عبر تأمين الإمدادات الأساسية وتعزيز الرقابة الصارمة على الأسواق، بما يحمي القدرة الشرائية للمواطنين ويحد من انعكاسات الاضطرابات الدولية.
3. الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك، خاصة في مجالات الطاقة والمظاهر الاجتماعية التي يتكرر فيها الإسراف والتبذير، وهي خطوة ذات بعد عميق، لأن إدارة الأزمات لا تقتصر على السياسات، بل تشمل أيضًا السلوك المجتمعي.
4. تشديد الإجراءات ضد الاحتكار والمضاربة وتهريب السلع إلى الخارج، بما يعزز استقرار السوق ويحمي الموارد الوطنية من الاستنزاف.
5. اعتماد مقاربة سياسية تشاركية، من خلال مصارحة الرأي العام وفتح التشاور مع الأحزاب السياسية، بما يعكس وعيًا بأن إدارة الأزمات تتطلب تعبئة وطنية شاملة، تقوم على الثقة والشفافية والوضوح.
كما تندرج هذه الإجراءات ضمن رؤية أوسع لتعزيز الصمود الاقتصادي، من خلال توسيع ودعم المخزون الاستراتيجي الطاقوي والغذائي، وتحسين جاهزية سلاسل التوريد، وتطوير آليات التدخل السريع في حال حدوث اضطرابات مفاجئة في الأسواق العالمية نتيجة تطور الحرب الحالية.
وفي مقابل هذا النهج المسؤول، يبرز للأسف خطاب شعبوي يحاول التقليل من أهمية هذه السياسات الاستباقية أو تصويرها كعامل قلق، متجاهلًا أن التجارب القريبة، من كورونا إلى حرب أوكرانيا، أثبتت أن غياب الاستشراف هو الخطر الحقيقي. إن الدولة التي تُنبه وتستبق تحمي، أما التي تُطمئن دون استعداد فإنها تُعرّض مجتمعها لمخاطر أكبر.
إن النخب السياسية والفكرية والإعلامية مطالبة اليوم بدور محوري في مواكبة هذه المرحلة، عبر دعم هذا التوجه الوطني، وتقديم خطاب يعزز الوعي ويُحصّن المجتمع من التضليل. كما أن المواطن مدعو إلى تبني سلوك مسؤول، يقوم على ترشيد الاستهلاك والتضامن، والابتعاد عن كل أشكال الإسراف والتبذير.
وفي أفق المستقبل، تتأكد الحاجة إلى تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الخيارات الاستراتيجية على أسس أكثر صلابة، ونأمل أن تكون النقاط التالية من أبرز الأولويات الاستراتيجية في المدى المنظور:
1. تعزيز الشراكات الطاقوية مع الجزائر، بما يضمن تأمين الإمدادات من الوقود ومشتقات النفط والغاز بشكل مستقر، ويعزز الأمن الطاقوي الوطني، مع التفكير في توجيه جزء من الإنتاج الوطني نحو السوق المحلية.
ونأمل خيرًا في الزيارة المرتقبة لمعالي الوزير الأول الأسبوع المقبل إلى الجزائر.
2. تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة لتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية المتقلبة.
3. تطوير الزراعة على أسس حديثة، مستلهمًا من التجربة المغربية، لتعزيز السيادة الغذائية وتقليل التبعية وتعزيز التصدير.
4. الاستثمار في التكوين المهني، بالاستفادة من تجارب إقليمية مثل السنغال، لإعداد كفاءات وعمالة وطنية مدربة قادرة على دعم الاقتصاد.
5. تطوير الصناعات التحويلية، خاصة في المعادن والزراعة، لخلق قيمة مضافة محلية وتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
إن التحديات التي تواجهها موريتانيا اليوم، من أزمات دولية وضغوط إقليمية حدودية ومخاطر مناخية متزايدة، تفرض مقاربة شاملة تجمع بين الاستشراف والتخطيط والتعبئة الجماعية. وما يبعث على الثقة هو أن هذا المسار قد بدأ بالفعل، برؤية واضحة وإرادة سياسية قوية.
الاستشراف ليس مجرد توقع، بل هو فعل سيادي يحمي المجتمع، ويجسد قوة الدولة، ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا.
حفظ الله بلادنا وقيادتنا الرشيدة.
(*) مدير السور الأخضر
.jpg)









